صمتٌ في حضرة الوداع
جلسنا للمرة الأخيرة.
لم يكن وداعًا صاخبًا كما يحدث في القصص،
بل صمتًا كثيفًا، يخترق كل شيء…
كأن الكلمات قررت أن تتوارى احترامًا لما بيننا.
الطاولة أمامنا، وكوبان من القهوة التي لم تُشرب،
والوقت يمرّ ببطء مهين،
كأن اللحظة تعرف أنها اللحظة الأخيرة،
فتصرّ على أن تطيل مقامها… فقط لتعذّبنا أكثر.
لم أقل شيئًا.
ولم تقل شيئًا.
لكن نظراتنا فعلت ما لا يفعله الحديث:
فتحت الجروح، نبشت ما كان مطويًا،
ثم أعادت كل شيء إلى الداخل… بلا ضجيج.
نظرتُ إليها…
كانت هي، كما أعرفها،
وكما لم أعد أعرفها.
امرأة أنهكها الحب، وعلّمتها الخيبات كيف تصمت دون أن تُنسف كرامتها.
وامرأة أخرى كانت تُحدّثني بعينيها:
"لا تعتذر… جئتَ متأخرًا. جاء اعترافك بعد أن انتهيتُ من الإنصات."
أما أنا، فكنتُ رجلًا امتلأ بكل ما لم يُقال.
كلمات كثيرة علقت في حلقي،
لكني لم أنطقها…
ليس لأنني لا أملكها، بل لأنني أعرف أنها لم تعد تُغيّر شيئًا.
كنتُ أريد أن أمدّ يدي…
أن أقول لها: "ابقَي، سنبدأ من جديد."
لكن صوتًا خافتًا بداخلي قال:
"لا تُهِن النهاية… بفرصة وهمية."
الصمت بيننا لم يكن هدوءًا،
بل جدارًا من التعب… بُني من سنوات لم نُصارح فيها أنفسنا.
هي كانت تقلب ملعقة القهوة بين أصابعها
كما لو أنها تطرد رعشة، أو تُشغل يدها عن ارتكاب الوداع.
وأنا كنتُ أشيح بوجهي كلّما اقتربتُ من الانكسار.
لم نطلب تفسيرًا.
لم نُحمّل بعضنا اللوم.
كأننا نعرف أن تفسير النهاية ليس شرطًا لفهمها.
نهضتْ أولًا.
وضعت الملعقة برفق… كأنها تضع قلبها.
رفعت حقيبتها دون أن تنظر إليّ،
وكأنها درّبت نفسها على هذا المشهد طويلًا.
نهضتُ بعدها.
الصوت كان قد اختنق،
والكلمات التصقت بحلقي كأوراق مبتلّة لا تقبل الحبر.
ثم حدث ما كنتُ أخشاه:
تلاقت نظراتنا للحظة…
وكانت تلك اللحظة
انفجارًا صامتًا مزّق كل شيء احتفظنا به داخلنا لسنوات.
استدارت ومضت.
ولم أُنادِها.
ليس لأنني لا أريد… بل لأنني لم أعد أملك الحق.
جلستُ بعدها للحظات…
أنظر إلى المقعد الفارغ أمامي،
وأشعر أن شيئًا فيّ قد غادر معه،
شيئًا لا اسم له، ولا عودة.
في ذلك المشهد الصامت،
لم يحدث شيء…
ومع ذلك، انتهى كل شيء.
الكاتب : إدريس أيورزق