الاثنين، 29 سبتمبر 2025

Hiamemaloha

صلاة في صالونات التجميل للأديب سيد حنيد عطا الله الجزائري

 صَلَاةٌ فِي صَالُونَاتِ التَّجْمِيل


بقلم: سَيِّد حَمِيد عَطَا الله الجَزَائِرِي


فِي صَالُونِ التَّجْمِيلِ،

لَا يُبَاعُ الجَمَالُ بِقَدْرِ مَا يُبَاعُ الوَهْمُ.

كُلُّ زُجَاجَةٍ صَغِيرَةٍ تَقُولُ لَكِ:

"هَا أَنَا ذَا، سَأَهْزِمُ الزَّمَنَ."

وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَشْتَرِي وَلَا يَبِيعُ،

هُوَ يَجْلِسُ هُنَاكَ، صَامِتًا،

كَحَاكِمٍ عَجُوزٍ يُوَقِّعُ عَلَى وُجُوهِنَا بِمِدَادٍ لَا يُمْحَى.


فِي الدَّاخِلِ، يَخِيمُ صَمْتٌ ثَقِيلٌ،

لَا يُسْمَحُ بِالكَلَامِ إِلَّا لِلْأَجْهِزَةِ المُثْرْثِرَةِ:

السِّشْوَارُ يُلْقِي قَصِيدَتَهُ كَشَاعِرٍ فِي سُوقِ عُكَاظٍ،

آلَاتُ التَّصْفِيفِ وَالتَّجْفِيفِ تُصَفِّقُ بِإِيقَاعٍ مُتَوَاتِرٍ،

أَدَوَاتُ المَانِيكِيرِ وَالبَادِيكِيرِ تَضْحَكُ بِأَلْوَانِ الأَظَافِرِ،

وَعَرَبَاتُ الأَجْهِزَةِ تَمُرُّ كَسَيَّارَاتِ إِسْعَافٍ،

تَنْقُلُ بَشْرَةً مُنْهَكَةً أَوْ وَجْهًا فِي أَسْوَإِ حَالَاتِهِ،

فِيمَا الأَقْنِعَةُ تُمارِسُ دَوْرَهَا كَحَفْلَةٍ تَنَكُّرِيَّةٍ

فِي يَوْمِ الهَالُوِين.


ثُمَّ يَعُمُّ صَمْتٌ آخَرُ شَامِلٌ،

كَأَنَّ الجَمِيعَ دَخَلَ فِي صَلَاةِ البَحْثِ عَنِ الجَمَالِ،

وَلَكِنَّهَا صَلَاةٌ بِلَا قَلْبٍ؛

يَكْفِي حُضُورُ البَشَرَةِ لِيُقْبَلَ الدُّعَاءُ.


المِقَصَّاتُ، المُجَفِّفَاتُ، الإِبَرُ، الأَلْوَانُ…

كُلُّهَا أَدَوَاتُ جَيْشٍ صَغِيرٍ يُقَاتِلُ عَلَى جَبْهَةٍ خَاسِرَةٍ.

فَمَا مَعْنَى أَنْ نُخْفِيَ التَّجَاعِيدَ بِالبُودْرَةِ،

وَنَرْسُمَ مَلَامِحَ جَدِيدَةً بِقَلَمٍ أَسْوَدَ،

إِذَا كَانَ اللَّيْلُ سَيَأْتِي وَيَغْسِلُ كُلَّ ذَلِكَ

كَمَا يَغْسِلُ المَطَرُ جُدْرَانًا طُلِيَتْ عَلَى عَجَلٍ؟


النِّسَاءُ يَعْتَقِدْنَ أَنَّهُنَّ يُخْدِعْنَ المِرْآةَ،

وَلَكِنَّ المِرْآةَ أَذْكَى مِنَ الجَمِيعِ،

تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الوَجْهَ الَّذِي يَبْتَسِمُ أَمَامَهَا

مُجَرَّدُ قِنَاعٍ مُؤَقَّتٍ،

وَأَنَّ الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ يَنْتَظِرُ خَلْفَ المَسَاحِيقِ

كَجُنْدِيٍّ مُنْهَكٍ لَمْ تُـمْحَ عَنْ جَسَدِهِ آثَارُ الدِّمَاءِ بَعْدُ.


المُفَارَقَةُ أَنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ ضِدَّ البَشَاعَةِ،

بَلْ ضِدَّ الوَعْيِ نَفْسِهِ:

وَعْيِ الإِنْسَانِ بِأَنَّهُ فَانٍ،

وَأَنَّ الزَّمَنَ، مَهْمَا زَيَّنَّا وُجُوهَنَا،

هُوَ المُنْتَصِرُ الأَخِيرُ.


وَالأَدْهَى أَنَّ هَذِهِ الحَرْبَ لَا تُخَاضُ وَحْدَهَا:

الأَزْوَاجُ فِي الخَارِجِ يُسْجَنُونَ فِي أَقْسَاطٍ،

الأَبْنَاءُ يَرِثُونَ قَلَقًا غَامِضًا،

وَالمُجْتَمَعُ يُعِيدُ تَدْوِيرَ الوَهْمِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.


هَكَذَا يُصْبِحُ صَالُونُ التَّجْمِيلِ مَعْبَدًا سَاخِرًا،

تُقَامُ فِيهِ طُقُوسُ عِبَادَةِ الجَمَالِ،

وَالكَهَنَةُ فِيهِ لَيْسُوا شُعَرَاءَ وَلَا فَلَاسِفَةَ،

بَلْ خُبَرَاءُ مَكْيَاجٍ يَبِيعُونَ الخُلُودَ فِي عُبُوَاتٍ صَغِيرَةٍ،

مَعَ ابْتِسَامَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ تَقُولُ:

"سَتَنْتَصِرِينَ عَلَى الزَّمَنِ."


وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ المُنْتَصِرَ الوَحِيدَ هُوَ الزَّمَنُ نَفْسُهُ؛

إِذْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُحَارِبَ،

يَكْفِيهِ أَنْ يَنْتَظِرَ.

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :