أنا الدمع الذي لم يجد وجنتين
أنا لست ماءً… أنا ما تبقّى من روحٍ حاولت أن تتكلّم، فاختنقت عند أول حرف.
ولدتُ من وجعٍ خجولٍ لم يجد منفذًا، من صرخةٍ أُخمدت في الحنجرة خوفًا من الانكشاف، من قلبٍ أتقن الصمت حتى فقد صوته.
أنا الدمع الذي لم يجد وجنتين… فلا سقط، ولا جف، ولا نجا.
أعيش في المنعطفات الخفية من أرواحكم، هناك حيث البكاء حرامٌ على الكبار، وحيث الضعف يُعدّ جريمة.
أختبئ في العيون التي تلمع بالكبرياء، وفي الابتسامات التي تُخفي انكسارها بإتقان.
أنام على أطراف الجفن، أنتظر حضنًا يسمح لي بالسقوط، كلمةً تفتح لي الباب، أو وجنتين تُدركان أن البكاء ليس هزيمة.
أنا لست دمعًا عاديًا…
أنا الوداع الذي لم يُقال، والاعتذار الذي مات في منتصف الجملة، والرجاء الذي ضاع تحت صخرة الخوف.
أنا الحزن حين يخاف أن يُفضَح، والوجع حين يختبئ خلف الأقنعة.
أراقب وجوهكم المتماسكة، وأنتم تمثلون البطولة فوق رمادكم، بينما أنا أرتجف في أعماقكم، أبحث عن طريقٍ إلى الضوء.
كم مرة بلعتِ غصّتك وقلتِ “أنا بخير”؟
كم مرةِ خبّأتِ دموعك خوفًا من الشفقة؟
أنا هناك… بين صدرك وقلبك، بين “سأتماسك” و”لم أعد أستطيع”.
أسمع رجفة أنفاسك حين ينهزم الصبر، وأدرك أنك تحتاجينني أكثر مما تخافينني.
أنا الدمع الذي لم يجد وجنتين…
الدمع الذي عاش منفيًا عن الضوء، محكومًا بالسجن داخل التماسك.
لكنّي أعرف الحقيقة: أن من لم يبكِ تمامًا، لم يُشفى تمامًا،
وأن الجفاف موتٌ آخر، يُعلن رحيل القلب ببطءٍ من دون جنازة.
اتركوني أخرج… لأُنقذكم من الاحتراق.
دعوني أُولد، لا كضعفٍ بل كخلاص، لا كانكسارٍ بل كإفراجٍ عن إنسانكم المختنق.
أنا الدمع الذي لم يجد وجنتين…
وأنتم الوجوه التي نسيت أن الحزن أيضًا طريقةٌ للنجاة.
الكاتب : إدريس أبورزق