الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

Hiamemaloha

مات قهرا للكاتب سالم حسن غنيم

 مات قهرًا

كان سامي يعيش في حيّ شعبي صغير، 

بين جدران تتنفس الفقر كما يتنفس الناس الهواء.

خمسة أشهر وهو يؤجل أجار البيت،

 يطارد صاحب العمارة كل يوم بعبارة:


 أسبوع الجاي بوعدك، 

بس أقبض من الورشة.

لكن الورشة سكّرت، 

والأسبوع الجاي ما أجى.

سالم حسن غنيم 


في البيت، طفل صغير يبكي من الجوع.

زوجته تهدهده وهي تضع له في الرضاعة مي وسكر بدل الحليب.

تبتسم له رغم قلبها المكسور، 

كأنها تخدع الجوع بابتسامة.


سامي كل صباح يخرج من البيت يحمل ملفه الأخضر القديم، 

يلفّ به على الشركات والمحال.

كل ما يسمعه هو:


بس نحتاجك  نتصل فيك.

بس ما حدا اتصل.

درس أربع سنين جامعة، 

واحترق بعدها على قسطها سنين.

يضحك أحيانًا وهو يقول:


  الشهادة الوحيدة اللي ما اشتغلت فيها،

 هي اللي دفعت ثمنها من دمّي.

اختُه محبوسة على قرض 300 دينار، 

وأمّه تبكي على باب المحكمة.

في قلبه غصّة كلّما تذكّر أن زوجته حلمت بخاتم ذهب يوم العيد، 

ولم تستطع أن تشتري حتى الحناء.


وصل عمره 33 سنة قبل ما يقدر يشتري بدلة عرس،

مش لأنه بخيل، لكن لأنه فقير،

ولأن “النية الطيبة” ما بتدفع مهور،

 ولا بتسدد ديون.


يوم ماتت بنته الصغيرة، كانت المستشفى تطلب “دفعة أولى”.

حملها بين يديه،

 يركض من باب لباب،

لكن الأبواب كانت تُغلق بسرعة، 

أسرع من نبضها الأخير.

كتب الطبيب في التقرير: “توقّف القلب.”

لكن سامي يعرف أن السبب الحقيقي كان “القهر”.


في الصباح، وقف أمام المرآة، وجهه شاحب كأنه ظلّ إنسان.

همّ أن يذهب إلى عمله المؤقت،

لكن جيبه كان فاضي حتى من أجرة الطريق.

جلس على حافة السرير، ينظر حوله.

البيت صامت،

 الجوع صامت،

 والوجع يصرخ في داخله.


رفع رأسه نحو السقف وقال بهمسٍ متعب:


 يا ربي، 

بس بدّي أرتاح شوي.

نام بعدها بعمقٍ غريب.

حين حاولت زوجته إيقاظه لم يتحرك.

ابتسم بوجهها للمرة الأولى منذ شهور…

لكن ابتسامته كانت باردة، 

وساكنة.


كتبوا في شهادة الوفاة:

"جلطة حادّة في القلب."

لكن كل من عرفه،

كان يقول:

      مات قهرًا.


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :