الجسر الذي لا يُرى
في قرية صغيرة على أطراف المدينة،
كان هناك نجّار مسنّ اسمه أمين،
اشتهر بصنع الجسور الخشبية الصغيرة فوق جداول الماء.
لم يكن يصنعها لأجل المال فقط،
بل كان يؤمن أن كل جسر هو حكاية ثقة بين الضفتين.
ذات يوم جاءه شاب يُدعى كريم،
يعمل في المدينة، وقال له بتردد:
أريدك أن تصنع لي جسرًا بين أرضي وأرض جارتي هالة،
فقد هدمه المطر الأخير.
ابتسم أمين وسأله:
هل تريد جسرًا من خشبٍ قويّ أم من نية صافية؟
ضحك كريم وقال:
من الاثنين معاً،
لكن بسرعة،
فهالة تظن أنني أهملتُ إصلاحه عمداً.
صمت أمين لحظة، ثم قال:
الجسور لا تُبنى بين الأرض فقط،
بل بين القلوب أيضاً،
فهل ما زالت الثقة بينكما قائمة؟
خفض كريم رأسه وقال:
كانت...
لكن كلمةً غضب في يومٍ عابر جعلتها تشكّ بي، ومنذها لم تعد كما كانت.
هزّ أمين رأسه وقال:
إذًا لن أبني لك جسرًا من خشب قبل أن تُصلح الجسر الذي بينكما.
في المساء، حمل كريم باقة من زهر البرّي وذهب إلى هالة، قال لها بصدق:
لم أقصد يومًا أن أؤذيك،
لكن يبدو أن الغضب أسرع من التفاهم. كنت أظن أن الثقة بيننا قوية بما يكفي لتتجاوز الكلمات.
نظرت إليه طويلاً ثم قالت:
الثقة يا كريم ليست كلمة تقال،
إنها وعد صامت بين قلبين...
وعدٌ شعرتُ للحظة أنك خذلته.
اقترب منها وقال بهدوء:
أعطني فرصة أن أزرع الوعد من جديد، وسأسقيه بصدق أفعالي.
ابتسمت أخيراً، وقالت:
إذًا ابني الجسر أنت،
في اليوم التالي، عاد كريم إلى أمين وقال له:
لقد بُني الجسر يا عم،
ليس بين الأرضين،
بل بين القلوب.
ابتسم الشيخ العجوز وقال:
أرأيت؟
الجسور الحقيقية لا تُرى بالعين،
بل تُحسّ بالاطمئنان.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية يقولون:
كلما صعبت المسافة بين قلبين،
تذكّر أن الجسور لا تُبنى من الخشب،
بل من الثقة.
سالم حسن غنيم