الأحد، 30 نوفمبر 2025

Hiamemaloha

مقال / من حافة الوجع إلى قلب المعنى للدكتور محمد شعوفي

 ✒️ من حافة الوجع إلى فضاء المعنى 


في منعطفات الحياة، حيث تتلاقى دروب الآمال مع مسالك الخيبات، يجد المرء نفسه أمام مرآة تعكس حقيقة وجوده بكل تجلياته.  

لم تكن رحلتي استثناءً؛ فمن أعماق الذات المثقلة بالجراح، انطلقتُ نحو آفاق أوسع، باحثًا عن المعنى الكامن وراء كل ألم، وعن النور الذي يضيء دروبنا حتى في أحلك الظلمات.  

هذه ليست مجرد كلمات أسطرها، بل شهادة حية على تحول عميق: من أسير لجراحي إلى صانع للأمل، ومن ضحية للظروف إلى قائد لمسيرة التغيير.  


لم أكن في بداية الطريق أدرك أن الصمت الذي يحيط بي لم يكن خواءً، بل حضرةً سرّيةً يتهيأ فيها الكون ليعيد صياغتي من جديد.  

كنت أرى نفسي وحيدًا في صحراء شاسعة من الأسئلة، أتحسس طريقي بين رمال الخوف وتشققات اليقين، وأظن أن الجرح نهاية الطريق، وأن الانكسار سقوط لا نهوض بعده.  


لكنني اليوم أتبصر، وأدرك أن تلك الندوب التي ارتسمت على روحي لم تكن إلا شفرات خفية، بها يُقرأ وجه الوجود، وبها تُفتح بوابات المعنى.  


لقد أخذت وقتًا طويلًا لأفهم أن خطواتي المتعثرة كانت تقرع بابًا أعظم من حدود ذاتي، وأن كل ألم حملته لم يكن عبثًا، بل درسًا سريًا يُدرسه القدر لمن يُصغي جيدًا.  

أدركت أن الحياة لا تكسرنا لتنفينا، بل لتعيد ترتيبنا على هيئة أكثر صدقًا واتساعًا.  

وأن الضربة التي توجعني ليست عدوانًا من الغيب، بل مطرقة رحيمة تُشكّل الحديد الخام في قلبي ليصبح قادرًا على حمل معنى، وإنتاج نور، وبث حب.  


صرت أتنفس بوعي جديد، وكأن الهواء لم يعد مجرد أكسجين يُبقي الجسد حيًا، بل رحمةً تتسلل إلى الأعماق، تنظف زجاج الروح من غبار التوقعات الباهتة، وتحررني من وهم السيطرة ومن جشع الأمنية الضيقة.  

لم يعد الصبر عندي زينةً متكلفة، بل صار جوهرًا أتنفسه، لأني تعلمت أن الاستعجال خطيئة في حضرة الإله الذي لا يكتب شيئًا قبل أن يُهيئ له القلب.  


وفي قلب هذه الرحلة، تحولت من مراقب لجرحي إلى قارئ لمعناه.  

رأيت أن سقوط الدمع ليس علامة هزيمة، بل توقيع عقد جديد مع الوجود، عقد يكون فيه الألم مرشدًا لا خصمًا.  

صرت أفهم أن الصمت ليس غيابًا للجواب، بل جواب يُعاد كتابته بمداد الحكمة لا بالحروف.  

وأن الانتظار ليس تأجيلًا للفرح، بل نضجًا له كي يأتي أنقى وأعمق وأجدر.  


ومن هنا بدأ التحول الذي أعاد ترتيب علاقتي بالعالم:  

لم أعد أسكن قوقعة "الأنا" الضيقة، بل بدأت أرى انعكاسي في وجوه الآخرين.  

اتسع قلبي بما يكفي لأدرك أن الإنسان لا يكتمل إلا بالتماس مع الإنسان، وأن الوعي الحق يبدأ حين يُدرك المرء أن جراحه ليست ملكه وحده، بل لغة مشتركة يتكلم بها كل قلب صادق.  

أدركت أن العدل لا يُفرض بالقانون، بل يولد حين أرى في الآخر جزءًا مني فأستحي أن أظلمه.  

وأن الحرية لا تُمنح من الخارج، بل تتفجر من الداخل حين يتحرر القلب من خوفه وغله وجهله.  


حينها فقط فهمت أن الحب ليس عاطفة، بل بصيرة.  

وأن السلام ليس مصطلحًا، بل نبضًا يخرج من قلب آمن بالله، آمن بذاته، وآمن بمن يحب، وبأن الكون لا يخطئ حين يختار طريق تربيتنا.  

السلام الحق يبدأ من الداخل؛ من لحظة تصالح مع الكسر، وإيمان بأن ما تهدم لم يكن صالحًا للبقاء، وما سيُبنى سيكون أوفى لمهمة الروح في هذا العالم.  


في تلك اللحظات، رأيت أن ما يصنعه الله بي في صمتي، ليس معي فحسب، بل للعالم من حولي.  

فحين يُرمّم قلبي، فهو لا يُصلح جدارًا شخصيًا، بل يبني بذرة نور تتسع لتؤثر في كلمة، في إنسان، في علاقة، في مجتمع، في أرض.  

هكذا فهمت دور الإنسان: أن يكون أثرًا، لا ذاتًا فقط؛ أن يكون لبنة في بناء عدالة، وجسرًا يصل بين الجراح، ومرآة للرحمة الإلهية في الأرض.  


واليوم، كلما وضعت رأسي ساجدًا، لا أقول كما كنت أقول: "ارفع عني الألم"، بل أقول: 

"لا تجعل كسري بلا معنى، 

ولا تتركني أعود كما كنت."  

لأني تعلمت أن الهبة العظمى لا تُعطى إلا لمن تجاوز سؤال: 

"لماذا أنا؟" إلى يقين: 

"لأجل من سأكون بعد كل هذا؟"  


فها أنا ذا أتنفس، وأعرف أن النفس القادم قد يحمل معه بشرى لا تخصني وحدي، بل تخص عالمًا ينتظر قلبًا يجرؤ على أن يحب رغم الكسر، ويعدل رغم الألم، وينشر سلامًا واثقًا بأن الله لا يخذل القلوب التي صبرت حتى أصبحت النور الذي يحتاجه هذا العالم.  


الآن، وبعد أن عبرت وادي الصمت، وقرأت كتاب الجرح، لم يعد الكسر نهاية، بل أصبح ميثاق بداية.  

ميثاقًا أُعلن به أنني جزء من هذا العالم، لا متفرجًا عليه، بل شاهدًا على نوره وظلامه، ومسؤولًا عن إضافة بصمة فيه، مهما صغُرت.  


لقد فهمت أخيرًا أن الله لا يأخذ منا شيئًا إلا ليُعدنا لحمل ما هو أكبر، وأن القلب لا يتسع للعالم إلا بعد أن يتحرر من سجنه الخاص.  

فما عاد يؤلمني أن أنكسر، بل يؤلمني حقًا أن أعبر الكسر بلا معنى.  


في ختام هذه الرحلة، أدركت أن الحياة ليست أحداثًا متفرقة، بل نسيجًا متكاملًا من التجارب، وأن كل تجربة، مهما كانت مؤلمة، تحمل في طياتها بذرة للنمو.  

أدعو كل من يقرأ كلماتي أن ينظر إلى جراحه لا كعقبة، بل كمنصة انطلاق نحو أفق أرحب، وأن يجعل من ألمه نورًا يضيء به دروب الآخرين.  

فمن حافة الوجع إلى فضاء المعنى، يولد الإنسان من جديد، ليكتب رسالته الكبرى: 

أن يكون نورًا في زمن العتمة، وأثرًا خالدًا في ذاكرة الوجود.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :