الأربعاء، 1 أبريل 2026

Hiamemaloha

تعلمت من زوجي الفصل السابع للأديبة بيسان مرعي

 كتاب 《تعلّمتُ من زوجي》

الفصل السابع

« تعلَّمْتُ مِنْ زَوْجِي أَنَّ الإِيمَانَ أَفْعَالٌ لَا أَقْوَالٌ فَقَط»


لطالما سمعنا وحفظنا حديث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: "أن الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل"، 

لكنني لم أدرك عمق هذه العبارة إلا حين رأيتها تتجسّد في تفاصيل يومي مع زوجي، حيث كنت أظنّ أن شدّة الإيمان تُقاس بطول الحديث عن الدّين أو كثرة الوعظ، لكنني اكتشفت معه أن «الإيمان الصامت» يكون أحياناً أشدّ تأثيرًا وأعمق أثرًا.

تعلّمت منه أن المؤمن الحقيقي لا يحتاج لأن يخبرك بأنه مؤمن، بل تجعلك أفعاله تتساءل عن سرّ النبل الذي يسكنه.

فأحيانًا لا ندرك المعنى الحقيقي للإيمان كما ينبغي، ونظنّه كلمات تُقال في أوقات الشدّة، أو عبارات محفوظة نردّدها حين نريد الطّمأنينة. 

وفي بعض الأحيان كانت تتبادر إلى ذهني تلك المعاني، حتى دخل زوجي حياتي بهدوئه، دون خطب طويلة أو مواعظ مباشرة دائمًا، 

فكان درسًا حيًّا يمشي على الأرض، يعلّمني كل يوم أن الإيمان ليس ما نقوله بألسنتنا فقط، بل ما نفعله حين لا يرانا أحد.

تعلّمت منه أن الإيمان يظهر في أبسط التفاصيل؛ 

في الصّدقِ حين يكون الكذب أسهل الطرق، 

وفي الأمانةِ حين لا يحاسبك أحد، 

وفي الصّبرِ حين تضيق بنا السّبل. 

لم يكن زوجي ـ رحمه الله ـ كثير الحديث عن نفسه، لكنه كان كثير الفعل.

كان إذا وعد أوفى،

 وإذا أخطأ اعتذر دون تبرير،

 وإذا غضب صمت في غالب الأوقات حتى لا يجرح أحدًا، 

وإن تكلّم حرص على انتقاء كلماته التي لا تهين مَن أمامه أو تحرجه أو تجرحه. 

عندها فهمت أن قوّة الإيمان لا تُقاس بعلوّ الصوتِ والصراخ، ولا بتبادل الاتّهامات، ولا بتحويل المواقف إلى ساحةِ معركة ينتصر فيها الأقوى، بل بثباتِ الموقف.

تعلّمت من زوجي أن السجّادة التي يصلّي عليها ليست حدود إيمانه، بل هي «المحطّة» التي يتزوّد منها بالحب والرّحمة لينشرها خارجًا.

رأيت إيمانه في ابتسامته لعاملٍ بسيط، وفي حرصه على ألاّ يكسر خاطر أحد، وفي صمته حين يشتدّ الكلام.

علّمني أن «الكلمة الطّيبة» ليست مجرّد نصيحة نبوية، بل هي عبادة يؤدّيها بكل خشوع في كل موقف يمرّ به.

تعلّمت من زوجي أن الصّلاة ليست حركات نؤدّيها فحسب، بل هي صلة العبد بربّه تعالى، والنور الذي يهدي الإنسان في الطّرقات المظلمة، وهي راحة القلب وسكينته، 

كيف لا وقد أخبرنا بذلك النبي ﷺ في قوله: «أرحنا بها يا بلال»، وهي أثر يبقى في النّفس على الدّوام.

رأيته إذا ثقل همّه وضاع قلبه بين أزقّة الحياة، وجده في الصّلاة، 

فكان يحسن الوقوف بين يدي الله جلّ وعلا، ويتهجّد في القيام ويبكي حتى تطيب آلامه وتُشفى جراحه.

كان يخرج من صلاته أكثر رحمة وودًّا، أكثر لينًا ولطفًا، أكثر حلمًا وهدوءًا، أكثر عدلًا، وأكثر خوفًا من أن يظلم أحدًا ولو بكلمة، 

فكان يتوقف كثيرًا قبل أي قرار قد يؤذي إنسانًا، وكأن ميزان العدل في قلبه لا يهدأ حتى يطمئن.

تعلّمت منه أن الإيمان يظهر في البيت قبل المسجد، وفي الخلق قبل القول، وفي المعاملة قبل الموعظة، فكان قدوةً دون أن يقصد، ومعلّمًا دون أن يلقي درسًا.

علّمني أن الإيمان الحقيقي يظهر وقت الخلاف لا وقت الرضا فحسب،

 فحين نختلف، لم يكن يسارع إلى الاتّهام، بل إلى الفهم والتحرّي والإفهام.

لم يكن يبحث عن الغلبة، بل عن الحل؛ لأنه كان يتّبع قول رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة».

كان يستمع أكثر مما يتكلم، ويختار كلماته بعناية ودقّة، كأنه يخشى أن تُكتب عليه لا له، فتعلّمت أن الإيمان يمنح صاحبه حكمة لا تعصّبًا، وسكينة لا قسوة.

تعلّمت منه أن التوكّل على الله لا يعني التواكل، بل السعي ثم الرضا بكل ما قدّره الله تعالى.

كان يعمل بإتقان وجدّ واجتهاد، ويتعب بصمت، ثم يرفع يديه بالدعاء دون شكوى.

تعلّمت منه أن إتقان العمل جزء من العبادة: 

أن تُنجز مهمتك على أكمل وجه، أن تحترم مواعيدك، أن تُخلص في كل ما تصنع.

لم أسمعه يومًا يتذمّر من رزق كتبه الله، بل كان يقول: «الحمد لله على ما لدينا، وعلى ما سيأتينا». 

فتعلّمت أن الإيمان يملأ القلب قناعة، حتى في قلّة ذات اليد أحيانًا.

هذا هو الإيمان الحي، علّمني أن المؤمن الحقيقي هو من يترك خلفه عملًا يشهد له بالصلاح قبل أن تشهد له الكلمات.

لم يهدف أو يطمح أو يطمع يومًا بجمع الأموال، 

فلم تكن تعني له إلا أن يستخدمها في قضاء الحوائج التي يكون الإنسان بها مستورًا عفيفًا لا يحتاج الغير. 

عدا ذلك، كان يرى الدنيا ممرًّا للآخرة، وأن على الإنسان أن يجمع فيها الأعمال الصالحة ليترك الأثر الطيب لا الأموال، 

فكان على قناعة أن الإرث الحقيقي هو ما تتركه في الدنيا فيبقى أثره يرافقك حتى بعد موتك، ويبقى نفعه صدقة جارية لك بعد رحيلك.

ولذلك، كان مبدأ حياته الذي لا يتزحزح: «خير النّاس أنفعهم للنّاس». 

لم يكن يقصده فقير أو مسكين أو يتيم ويرجع خائبًا؛ كان يرى في حاجتهم بابًا فتحه الله له ليختبر إيمانه.

لم يكن يعطي من فضله فحسب، بل كان يعطي بحب واحترام، حتى غدا محطة للقلوب المكسورة.

ولم تكن الثمار الحقيقية لإيمانه تظهر في الكلمات، بل ظهرت في تلك الدموع الصّادقة التي انهمرت يوم رحيله، حين رأيت الناس يبكون عليه بحرقة، ويلقبونه بـ «أبي الأيتام».

 أدركت حينئذ أن الإيمان الفعلي هو الذي يبني لك قصرًا في قلوب الناس، ليبني الله لك ـ بإذنه ورحمته ـ قصرًا في الآخرة.

الإيمان عند زوجي يتجلّى في «الوضوح»، ولذلك تعلّمت منه أن الأمانة ليست مجرد الحفاظ على الودائع، بل هي أمانة الكلمة، وأمانة الموقف، والصدق في الوعود الصغيرة قبل الكبيرة.

علّمني أن الإيمان يظهر في طريقة تعاملك حتى مع من لا نفع لك منهم.

كان يحترم الكبير، ويرحم الصغير، ويحسن إلى من أساء إليه ما استطاع.

كان أقرب ما يكون إلى الإنسان المثالي؛ كان صادقًا، طائعًا، تقيًّا، وكنت أرى ذلك يتجسّد في عبادة صامتة لا يصفّق لها أحد، ولكنها عظيمة عند الله.

تعلّمت من زوجي أن الرجولة إيمان قبل أن تكون قوّة، وأن القيادة في البيت ليست أوامر، بل مسؤولية، وأن المسؤولية ليست تشريفًا بقدر ما هي تكليف.

كان يحمل همّ الأسرة دون أن يشعرنا بثقله، ويزرع الطّمأنينة حتى وهو قلق، ويبث الابتسامة في أرجاء المنزل حتى لو كان حزينًا.

لم يكن يقول بلسانه: «أنا مؤمن»، لكنه قالها بأفعاله، بلغة يفهمها الأصم قبل من يسمع، ويدرك معانيها كل من عاشره ولو اختلفت اللغات واللهجات، 

فجعلني أشعر بالأمان والاطمئنان، ومنحني شعورًا عميقًا بأن الإيمان حين يسكن القلب، يسكب السلام فيمن حوله.

وفي الأزمات، تظهر حقيقة «الأقوال»، فتعلّمت أن الإيمان هو ذلك الهدوء الذي يكسو ملامحه حين تضيق السبل.

لم يكن يكتفي بقول «الحمد لله» بلسانه، بل كان يعيش «الحمد» بفعله؛ بالبحث عن حلول، وبالرضا الذي لا تشوبه شكوى، وباليقين الذي يمنحنا جميعًا الأمان.

علّمني أن الإيمان الحقيقي هو القوّة التي تجعلك صامدًا حين ينهار الآخرون، واليد التي تمتد لتربّت على الكتف فتواسيك، وتربّت على القلب والرّوح أيضًا.

اليوم، وأنا أنظر إلى نفسي، أجد أنني تعلّمت الإيمان من أفعاله أكثر مما تعلّمته من الكتب.

تعلّمته حين رأيت الصّدق يُمارس بأبهى وأصدق معانيه، والصّبر يُعاش ويرتدي حلّة التسليم والرضا بما كتب الله وقدّر، والرّحمة تُطبّق.

تعلّمت أن أجعل إيماني سلوكًا يوميًّا، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة فقط.

نعم، تعلّمت من زوجي أن الإيمان أفعال لا أقوال فقط، وأن أجمل الدعوات هي تلك التي نعيشها، لا تلك التي نردّدها.

هذه الأفعال التي تلمس جوهر الروحانية الحقيقية، وتنقل «الإيمان» من حيّز الشعائر التعبدية المجرّدة إلى حيّز «المعاملة» والأثر الطيب، ليصبح أسلوب حياة يراه النّاس في الخلق قبل أن يسمعوه في المواعظ.

تعلّمت منه كيف تتحوّل العقيدة إلى سلوك من خلال مواقف بسيطة عند النّاس، لكنها عظيمة عند الله تعالى، مثل حرصه على «حقّ الجار قبل حقّ الدّار».

فلم تكن قيمة «الجار» عنده مجرّد وصية دينية يحفظها، بل كانت فعلًا يمارسه بدقّة تثير الدهشة؛ كان إذا أصلح أمرًا في بيتنا، وأدّى ذلك الإصلاح إلى أي أثر أو ضرر بسيط عند أحد الجيران، لا يهدأ له بال حتى يسارع إلى إصلاح ما تأثّر عندهم قبل أن يطلبه أحد.

فعلّمني أن الإيمان هو أن تكون كالغيث؛ أينما حلّ نفع، وألا يسبق نفعك ضرر لأحد، مهما كان صغيرًا.

وكان يؤمن بمبدأ أن التواضع… عبادة المقتدر.

لذلك، في عالم العمل، رأيت فيه صورة «المؤمن الهيّن الليّن»، كان يمشي بين موظفيه بروح الأخ والصديق، لا بروح المدير المتعالي، وطوال سنين عمله، لم يُهن يومًا موظفًا، ولم يجرح كرامة عامل.

تعلّمت منه أن رفعة الشّأن لا تأتي بالسّلطة، بل بالتّواضع، وأن احترام «الإنسان» في كل شخص هو أسمى مراتب الإيمان، وأصدق تعبير عن القرب من الخالق.

تعلّمت من زوجي أننا لا نُعرف بما نقول، بل بما نترك من أثر.

لقد رحل بجسده، لكن إيمانه الذي تجسّد في أفعاله ظل حيًّا في دعوات اليتامى، وفي ذكريات الجيران، وفي كل زاوية من حياتنا شهدت على رجل عاش الإيمان كحياة، لا كمجرد كلمات.

في نهاية الأمر، عشت مع زوجي في محراب الحياة، فتعلّمت منه أن أجمل مآذن الإيمان هي تلك التي تُبنى في الأخلاق، وأعظم خطب الوعظ هي تلك التي يكتبها المرء بأفعاله اليومية.

لقد جعلني أدرك أن الطريق إلى الله يمرّ عبر الإحسان إلى خلقه، وأن الإيمان الذي لا يغيّر فينا طريقة تعاملنا مع غضبنا، وأطماعنا، ومع الآخرين، هو إيمان يحتاج إلى مراجعة.

شكرًا لزوجي، الذي جعلني أفهم الإيمان أكثر، لا لأنه حدّثني عنه، بل لأنه جعلني «أراه» في كل فعل جميل يصدر منه.


يتبع.................

بقلمي/ بيسان مرعي

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :