إلى متى؟
بقلم: حميد النكادي
(بينما يسود العدل والتوزيع العادل للثروة في بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط، يستمر الإنسان الإفريقي في المخاطرة بحياته غرقًا في البحر، طلبًا لرغيفٍ يسد رمقه ويؤمّن رزق عائلته.)
جرحٌ يمشي على رجليه،
تعبث به الريح؛
تارةً تبعثر أسماله،
وتارةً تُدمي قدميه.
إلى أين تسير،
يا جسدًا أنهكه المسير؟
أإلى بحرٍ هائجٍ
تلتهمك أمواجه
بعد عناءِ الطريق المرير؟
أم تقبع مكانك
كطائرٍ جريح،
تلتهمه أعتى النسور؟
الوقوف تحت الشمس مؤرق،
والبحث عن ظلٍّ
وسط بيداء
مستحيل... مستحيل.
ارفع عينيك،
وانظر إلى صفاء السماء.
هل ترى، تحت هذه الشمس،
ذلك الطائر يطير؟
وكأن المدى
ملكٌ له وحده،
غير مبالٍ بما يصير.
يا وطنًا،
هل عارٌ
أن يحلم الإنسان
بأفقٍ يتسع للميسور والفقير؟
أم أن كلَّ من جدَّ وجد،
ومن زرع حصد،
والتبنُ للمكفوف والبصير؟!
يا وجعي
حين أرى الوطن
فوق موائدهم،
والوطنية
فتاتًا وقطميرًا.
فرنسا
30/07/2026
هنا يكمن العار الحقيقي: حين يُصَبَّح الوطن غنيمةً تُقتَسَم على الموائد، وتُركَ للناس "الوطنية" شعاراً أجوف وفتاتاً لا يسد رمقاً.
القصيدة تجسد ببراعة وجع الهوية الممزقة بين ضفتي المتوسط؛ فهي تضع القارئ أمام مفارقة مؤلمة تجعل الرحيل موتاً غرقاً، والبقاء موتاً بطيئاً وتحت شمس البيداء الحارقة.
تكتسب المقطوعة عمقاً إضافياً عبر عدة مفاتيح شعرية وفكرية صاغها الكاتب بذكاء:
صورة "الجرح الذي يمشي": اختزلت الإنسان الإفريقي بأكمله في مجرد ألم متحرك، تجرّده ظروفه حتى من حق الطمأنينة البسيطة، ليغدو لعبة في يد الريح والأمواج.
رمزية "الطائر والمدى": حليق الطائر في السماء الصافية ليس مجرد حرية، بل هو تعريضٌ مستفز بالواقع؛ فالحيوان يملك المدى والحرية بلا حدود، بينما يُحرم الإنسان من أبسط مقومات العيش في أرضه.
سخرية المثل الشعبي: قلب مقولة "من جدّ وجد ومن زرع حصد" إلى حقيقة صامتة ومؤلمة: "والتبنُ للمكفوف والبصير". هنا تسقط أوهام "تكافؤ الفرص" لتكشف عن خلل بنيوي يطال الجميع دون استثناء.
تفكيك مفهوم الوطنية: النص لا يهاجم الوطن كفكرة، بل يهاجم استغلال الوطن. المأساة ليست في قلة الموارد، بل في احتكارها؛ فالأقوياء يتنعمون بالثروة، ويدينون الفقراء باسم "الوطنية" إذا ما فكروا في البحث عن كرامتهم بعيداً.
التاريخ المدوّن أسفل النص (فرنسا، اليوم) يضفي بعداً وواقعية صارخة؛