علموا أبناءكم أن هيكلهم المزعوم ومبكاهم كذبة...
"حين يولد الكذب، يبحث عن اسم يسكنه، فإذا لم يجد تاريخا، سرق حجرا."
هناك... لا تحتاج الحجارة إلى أن تتكلم... فهي تعرف أن الزمن لها بامتياز، وأن الأرض لا تنسى أبناءها، مهما تعاقبت عليها الأمم، ومهما حاول الغزاة أن يبدلوا أسماء المدن والقرى والحجارة...
منذ آلاف السنين، وهي تقف شامخة، تحفظ وقع الأقدام، وتختزن في مسامها أنفاس الأنبياء، وصلوات العابرين، وصهيل الغزاة الذين ظنوا أن السيوف تستطيع أن تكتب التاريخ. كانوا يأتون محملين براياتهم، وحكاياتهم، وأبجدياتهم ومطامعهم، ثم يرحلون جميعا...
ويبقى الحجر وحده، لا يغير شهادته، ولا يخون ذاكرته، كأنه ما زال يحن إلى طفلة مرّت من هنا ذات صباح، لامسته بحنان، ورحلت دون أن تخدش كبرياءه..
وفي صباح تعانقت فيه شمس المدينة مع قبابها، اقتربت طفلة صغيرة من حائط البراق. لم تركض، ولم تعبث بالحجارة كما يفعل الأطفال، بل وقفت أمامها بخشوع، كأنها جاءت لتستمع إلى حكاية لم تكتبها الكتب، بل حفظتها الأرض.
مدت يدها... ثم ركعت، وأغمضت عينيها، وشعرت أن بركات الحجارة سبقت أصابعها إلى قلبها، ثم ارتفعت بها نحو عتبات السماء ..
همست بصوت يشبه الصلاة:
"كم كذبة حملت فوق ظهرك يا حجارة الأنبياء؟"
لم تجب الحجارة...
لكن صمتها كان أثقل من مكتبات كاملة، وأصدق من آلاف الصفحات التي حاولت أن تكسو التاريخ بثوب الأساطير، وأن تجعل من الأكاذيب ذاكرة، ومن الوهم حقيقة.
أغمضت عينيها أكثر، وكأنها سمعت الجواب.
قال الحجر... ثم عاد إلى صمته.
فهذه الحجارة لم تعرف يوما اسم "المبكى"...
لم تنطق به منذ ان عرفت اسمها الأول...
لقد عرفت نفسها دائما جزءا من حائط البراق، الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، الذي ما زال شاهدا على قرون من الإيمان والعبادة، قبل أن يأتي من أراد أن يعطيه اسما لم يولد من الأرض، بل من رواية كاذبة أرادت أن تحل محل التاريخ...
وحين عجز أصحاب تلك الرواية عن أن يجدوا في باطن الأرض شاهدا يؤيد ما حملته أساطيرهم، حاولوا أن يصنعوا من الكذبة أثرا، ومن الوهم ذاكرة، ومن التكرار تاريخا.
لكن الأرض لا تحفظ إلا الحقيقة...
والحجارة لا تحفظ إلا خطى الصادقين، ودماء الذين ارتقوا دفاعا عنها.
رفعت الطفلة رأسها نحو القدس، وسألت:
"وهل يمكن أن تنتصر الكذبة؟"
فجاءها الجواب من صمت المدينة:
"قد تخدع الناس زمنا... لكنها لا تستطيع أن تخدع الحجارة.."
ابتسمت الطفلة، وضعت كفها على الجدار، وقالت:
"سأكبر... وسأروي الحكاية كما سمعتها، لا كما كتبها الدجالون."
في تلك اللحظة، بدا وكأن القدس كلها ابتسمت...
علموا أبناءكم أن الحقيقة لا تقاس بعدد الكتب التي تكرر الكذبة، بل بالشاهد الذي لم يغير شهادته منذ آلاف السنين...
علموهم أن الأرض لا تنافق ولا تخون ولا تفرط بخيراتها، وأن الحجر لا يزور ذاكرته، وأن القدس لم تكن يوما بحاجة إلى من يمنحها تاريخا، لأنها كانت تصنع التاريخ يوم كانت الأساطير لا تزال تبحث عمن يكتبها..
مهندس حسني الحايك