الأحد، 2 أغسطس 2026

Hiamemaloha

سجال المسافة والوصول للشاعر نبأ البشيري

 سِجَالُ المَسَافَةِوالوُصُول  

لا يمثل (الصدود) و(الإياب) في هذا النص حالة جفاء أو عودة حسية، بل هما حركتان وجوديتان يعيد الوجد صياغتهما فلسفياً. الصدود جلالٌ مَحْوي يختبر صلابة الكينونة، والإياب جمالٌ إثباتي يعيد بعث الروح من رماد المسافة. سجالٌ حداثي لا ينكسر فيه طرفٌ لآخر، بل يتداخلان في وحدة صوفية محكمة؛ ليعلنا أن البُعد والأَوْب وجهاً لوجهٍ واحد، وأن الحضور الحقيقي لا يتجلى إلا خلف عتبة الفناء. 


(محراب الصدود) 

أنا البُعدُ..

إذ يستفيقُ الغيابْ

أنا الكبرياءُ المقيمُ على عتباتِ العذابْ

أنا الحجبُ..

لولا ظلامي لَمَا لاحَ نورُ الكِتابْ!

أنا الصمتُ..

حينَ تضيقُ اللغاتُ، ويغدو الكلامُ سرابْ

صمدتُ.. لتعرفَ أنَّ الهوى طينةٌ من غَضَبْ

وأنَّ الوصولَ بعيدُ السَّبَبْ!


(محراب الإياب) 

ولكِنَّني..

رعشةٌ في الرمادِ إذا الجمرُ ذابْ

أنا العودُ..

إذ يرجعُ الوجدُ طفلاً لِبابِ المتابْ

أنا شمسُكَ المستحيلةُ..

خلفَ غيومِ العِتابْ

إذا مَحَتِ الريحُ خطوَ العبورِ، أكونُ الترابْ!

أنا النبضُ

لو جفَّ ماءُ المحبَّةِ، سالَ انتحابْ

أنا المبتدأ..

والنهاياتُ أنتَ.. وكلُّ فناءٍ إيابْ!


(الصدود:  المَحو والجلال) 

أنا المَحْوُ..

إذ يستبدُّ الجلالْ

أُعيدُ الكِيانَ لِأرضِ السُّؤالْ

أنا الهَجْرُ..

لولا جفائي لَمَا ذاقَ هذا الوجودُ الوِصالْ!

مَقَاماتُ جَذْبي.. نَأَتْ بالخَيَالْ

فَمَنْ رامَ وَصْلِي.. فَنَاءٌ يُقَالْ!


(الإياب: الإثبات والتجلي) 

ولكنَّني..

آيةُ الوجْدِ بعدَ الزَّوالْ

أنا الاسْمُ..

حينَ تغيبُ الصِّفاتُ ويَفْنَى الجِدَالْ

تَمُدُّ سياجَكَ..

أعبرُهُ بيقينِ العِيانِ ونُورِ الجَمَالْ!

إذا كنتَ مَحْواً..

فأنا الإثباتُ المقيمُ بقلبِ الرِّجَالْ

أنا العَوْدُ..

مهما نَأَتْ بِكَ رِيحُ الضَّلالْ

فكُلُّ الصُّدودِ سرابٌ..

ووجْهُ الإيَابِ هُوَ المُسْتَقَالْ!


(الصدود: ذروة النَّفي) 

أنا التَّيهُ..

إذ يستطيلُ المَدَى

أنا اليأسُ يقتاتُ لَحْنَ الصَّدَى

أنا قَبْضَةُ الرِّيحِ..

لا شَيءَ يبقى إذا ما عَبَرْتُ، ومَا مِنْ هُدَى!

نَفَيْتُ الحُضُورَ لِيَبْقَى النَّقَاء

فَمَا ثَمَّ قَبْلي.. ومَا مِنْ بَقَاءْ

سِوَى عُزْلَةِ السِّرِّ خَلْفَ المَدَى!


(الإياب: ذروة الإثْبَات) 

ولكِنَّني..

بَعْثُ هَذا الوجُود

أنا نَفْخَةُ الرُّوحِ تَحْتَ اللُّحُود

إذا الرِّيحُ مَرَّتْ..

أكُونُ الحَنِينَ العَمِيقَ الَّذِي لا يَمُوتُ، وعَهْدَ العُهُودْ!

أَنَا نُقْطَةُ البَدْءِ خَلْفَ الخِتَام

إذا غِبْتَ أَنْتَ.. أَزَاحَ الظَّلام

يَقِينِي.. فَيُورِقُ غُصْنُ الخُلُودْ!


(وحدة الوجد) 

فلا البُعْدُ بُعْدٌ..

ولا الإِيابْ..

سوى خَطْوَةٍ في سِجِلِّ الكِتَابْ!

أنا الصَّدُّ.. والإَوْبُ..

وَجْهَانِ لِلْوَجْدِ، لَمَّا اسْتَفَاقَ الحِجَابْ

إذَا المَحْوُ أَفْنَى رُسُومَ الظُّنُونْ

فَإِنَّ الإِيَابَ حَيَاةُ الكُنُونْ!

فَمَا ثَمَّ نَفْيٌ.. وَمَا مِنْ وُجُودْ

إِذَا لَمْ نَكُنْ.. فِي مَدَانا.. سَوَاءْ

نَعُودُ لِنَبْدَأَ.. خَلْفَ الفَنَاءْ!

 بقلمي نبأ البشيري


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :