.
فنجان قهوة المساء
بقلم: محمد عربي – الجزائر
في المساء...
حين تخلع الشمس ثوبها الذهبي،
وتترك للغروب أن يكتب وصيته الأخيرة،
أجلس وحدي...
أمام فنجان قهوة
يشبه قلبي؛
أسود في لونه،
ودافئ في أعماقه،
ومرٌّ كما علمتنا الحياة.
أرفع الفنجان ببطء،
لا لأرتشف القهوة،
بل لأرتشف ما تبقى من نهارٍ
سرقته الأيام
قبل أن أودعه كما ينبغي.
ما أعجب هذا المساء...
كل شيء فيه يتحدث بصوت منخفض،
إلا الذكريات،
فإنها تصرخ في القلب
كأنها لا تعرف الصمت.
وفنجان القهوة...
ليس شراباً كما يظنه الناس،
إنه صديق الذين
خذلتهم الطرق،
وأتعبتهم الوجوه،
وأرهقتهم الأسئلة
التي لا تجد جواباً.
كم من مرة
جلست إليه
أحدثه عن الذين مروا في حياتي
كما تمر الغيوم فوق الجبال،
يتركون ظلالهم قليلاً،
ثم يمضون
ولا يعودون.
أقول له:
يا فنجاني...
هل تحفظ أسماء الذين أحببتهم؟
فيصعد البخار
كأنه يبتسم،
ثم يتلاشى...
وكأنه يقول:
كل الحب ينتهي،
لكن أثره
يبقى في الأرواح.
في المساء،
تصبح القهوة مرآةً للإنسان،
يرى فيها عمره،
وأحلامه،
وأصدقاءه،
وكل الرسائل
التي كتبها ولم يرسلها.
أعترف...
أنني أحب هذا الوقت،
ليس لأنه جميل،
بل لأنه صادق.
فالنهار يجاملنا كثيراً،
أما الليل
فلا يعرف المجاملة.
يجلس الإنسان أمام نفسه
عارياً من الضجيج،
ويبدأ الحساب:
ماذا ربحت؟
وماذا خسرت؟
ومن بقي؟
ومن رحل؟
ومن كان يستحق أن نبقى من أجله؟
وكلما بردت القهوة قليلاً،
شعرت أن العمر
يبرد معها.
عجيبٌ هذا الزمن...
كنا صغاراً
ننتظر المساء لنلعب،
ثم كبرنا،
وأصبحنا ننتظره
لنستريح،
ثم ازددنا عمراً،
فصرنا ننتظره
لنحاسب أرواحنا.
في فنجان القهوة
تختبئ وجوه كثيرة...
وجه أمي،
حين كانت توقظ الصباح بالدعاء.
ووجه أبي،
الذي علمني أن الرجال
لا يقاسون بالكلام،
بل بالمواقف.
وتختبئ وجوه الأصدقاء،
بعضهم بقي وفياً،
وبعضهم
كان أول الراحلين
حين اشتدت الرياح.
وتختبئ أيضاً
ملامح أولئك
الذين كانوا يعدوننا بالبقاء،
ثم اكتشفنا
أن الوعود
قد تكون أقصر عمراً
من دخان القهوة.
أحب القهوة
لأنها لا تكذب.
إن كانت مُرّة،
قالت إنها مُرّة.
وإن كانت طيبة،
منحتك دفئها
دون أن تطلب ثمناً.
ليت بعض البشر
تعلموا منها
فن الصدق.
وفي كل مساء،
أفتح نافذتي،
فلا أرى النجوم فقط،
بل أرى أمنياتي القديمة،
تتجول في السماء
باحثةً عن طريق
للعودة.
وأقول لنفسي:
ليس كل حلم مات،
ولا كل طريق انتهى،
فقد يولد الفجر
من قلب ليلةٍ طويلة،
كما تنبع الابتسامة
من عينٍ أنهكها البكاء.
يا فنجان المساء...
يا رفيق الصامتين،
وأنيس المفكرين،
وشاهد العاشقين،
لا تتركني
قبل أن تحمل عني
شيئاً من هذا التعب.
دعني أودعك
برشفة أخيرة،
أخلط فيها مرارة البن
بحلاوة الأمل،
وأؤمن أن الغد،
مهما أثقلته الهموم،
سيحمل نافذةً جديدة
للذين لم يفقدوا إيمانهم بالحياة.
فالمساء...
ليس نهاية النهار فقط،
بل بداية حوارٍ عميق
بين الإنسان وقلبه.
ولعل أجمل ما في فنجان القهوة،
أنه يعلمنا
أن الأشياء الجميلة
لا يشترط أن تكون حلوة،
فبعض المرارة
تصنع في الإنسان
حكمةً،
لا تصنعها
سنوات العمر كلها.
سلامٌ على كل قلب
يجالس فنجان قهوته
ليداوي تعب الأيام،
وسلامٌ على كل روح
تعلمت أن تصنع من الوحدة
تأملاً،
ومن الصمت
قصيدة،
ومن فنجان قهوة المساء
وطناً صغيراً
تستريح فيه الأحلام.