السبت، 15 أغسطس 2026

Hiamemaloha

ق.ق مبادئ غارقة للكاتب طارق الحلواني

 مبادئ غارقة  ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم يتذكر نادر وجه أبيه جيدا. كان في الصف الثاني الابتدائي حين مات أبوه وأمه في حادث سيارة، ولم يبق له منهما سوى صورتين قديمتين في درج صغير، وحكايات متفرقة يسمعها من الأقارب ثم ينساها.

انتقل إلى بيت جده عبد الصمد.

كان عبد الصمد موظفا في السكة الحديد، يعرف قيمة الدقيقة كما يعرف قيمة الجنيه. يخرج إلى عمله في الموعد نفسه، ويعود في الموعد نفسه، حتى إن نادر كان يعرف من صوت مفتاحه في الباب أن السادسة اقتربت.

كان يستحم كل يوم تقريبا، ويحلق عند الحلاق نفسه مرة كل شهر، ويوم الجمعة يرتدي جلبابه الأبيض ويذهب إلى المسجد.

لم يكن كثير الكلام.

قبل النوم، كان يترك ضوءا خافتًا يتسلل من طرقة بين الغرف، ويحكي لنادر حكاية صغيرة.

مرة عن رجل وجد محفظة فأعادها إلى صاحبها.

ومرة عن عامل تأخر عن عمله، فاعترف بدل أن يخترع عذرا.

ثم يقول:

ـ اللي يغلط يقول إنه غلط يا نادر.

وكان نادر يهز رأسه وينام.

في المدرسة وجد ذات يوم قلما على الأرض، فأخذه إلى البيت.

سأله جده:

ـ بتاع مين؟

ـ معرفش.

ـ يبقى ما ينفعش يكون بتاعك.

أعاده نادر في اليوم التالي حتى وجد صاحبه.

وضع عبد الصمد يده على رأسه.

ـ كده تمام.

وفي الإعدادية حصل نادر على خمسة من عشرين، وحاول إخفاء النتيجة.

ـ عملت إيه؟

ـ كويس.

نظر إليه جده طويلا.

خفض نادر عينيه.

ـ جبت خمسة.

لم يغضب عبد الصمد.

ـ تتعوض.. إنما الكذبة بتفتح باب لكذبة بعدها.

ثم غطاه بالبطانية.

ـ نام، وبكرة نشوف هنعمل إيه.

كبر نادر.

وكان أكثر ما يضايقه في جده أنه لا يترك له شيئا من عاداته.

الحلاق نفسه.

الملابس نفسها.

المسجد نفسه.

وفي يوم قال:

ـ عايز بنطلون جينز يا جدي، زي زمايلي.

رفع عبد الصمد عينيه من الجريدة.

ـ عايز تلبس محزق وملزق؟ إنت راجل.

ـ يا جدي، دي الموضة.

سكت عبد الصمد لحظة.

ـ عايز تبقى هيبز؟

قطب نادر حاجبيه.

ـ يعني إيه هيبز؟

ـ مش مهم يعني إيه... أنا سمعت عنهم كلام مش ولا بد.

ـ يا جدي، أنا عايز بنطلون بس.

ظل عبد الصمد ينظر إليه، ثم تنهد.

ـ ماشي يا عم... هجيب لك البنطلون، إن كان ده هيبسطك.

ابتسم نادر.

ولأول مرة فهم أن جده، رغم صرامته، يعرف متى يلين.

في الجامعة اتسع العالم فجأة.

ملابس جديدة، صداقات، سهر، كلام عن الحب والحرية والحياة. كان يميل أحيانًا إلى مجاراة زملائه، لكنه كان يعود إلى البيت أسرع مما توقع.

ثم مرض عبد الصمد.

صار يمشي أبطأ، ويجلس أكثر، ويتوقف قبل أن يصعد السلم.

في ليلة جلس نادر إلى جواره.

قال عبد الصمد:

ـ الشغل مبيخلصش يا نادر.

ـ عارف.

ابتسم.

ـ بس الناس بتخلص.

بعد أيام مات.

انتهى البيت فجأة من أشياء لم يكن نادر ينتبه إليها: صوت المفتاح عند السادسة، الجلباب الأبيض المعلق، صوت الماء، وحكايات ما قبل النوم.

احتفظ نادر بساعة جده.

وفي أول يوم عمل ارتداها.

كان مرتبا أكثر من اللازم، هادئا أكثر من اللازم، ومهذبا أكثر من اللازم.

دخل المكتب.

الهواتف ترن، والأوراق تنتقل من يد إلى يد.

قال له أحدهم:

ـ إنت الجديد؟

ـ أيوه.

ـ تعالى يا ابني.. نعلمك الشغل.

مشى نادر خلفه.

ولم يكن يعرف أن للعمل قوانين مكتوبة، وقوانين أخرى لا يكتبها أحد.

في أول أسبوع اكتشف أن شهادته لا تعني أنه يعرف العمل.

جلس أمام ملف مفتوح، ثم سأل سامح:

ـ أبدأ منين؟

سحب سامح الكرسي.

ـ بص.. الورقة دي هنا، وبعدها تروح للمدير.

ـ والنسخة؟

ـ تتحفظ.

ـ ولو المدير مش موجود؟

ـ تستنى.

ـ لحد إمتى؟

ضحك سامح.

ـ لما يرجع.

كان نادر يكتب الملاحظات.

ـ إنت بتكتب ليه؟

ـ عشان ما أغلطش.

ـ هتتعلم.

وتعلم.

عرف المكاتب والموظفين، ومن يستحق أن تنتظره، ومن الأفضل ألا تنتظره، وأي ورقة تتحرك بسرعة، وأي ورقة تحتاج إلى "حد يعرف حد ".

كان يستغرب.

ثم بدأ يعتاد.

بعد أشهر مات أحد الموظفين.

ذهب نادر مع زملائه إلى العزاء.

جلس تحت السرادق، أمامه كوب شاي، والهواء مشبع برائحة القهوة والدخان.

دخل الناس وخرجوا.

ـ البقاء لله.

ـ ربنا يرحمه.

ـ كان راجل طيب.

بعد قليل خرج نادر مع سامح.

قال سامح:

ـ ارتحنا منه.

ـ مين؟

ـ الراجل اللي جوه.

ـ بس إنت لسه قايل إنه راجل طيب.

ضحك سامح.

ـ أقول إيه قدام أهله؟

ـ تقول الحقيقة.

نظر إليه سامح.

ـ يا نادر.. إنت لسه جديد.

ـ جديد في إيه؟

ـ في الدنيا.

عادا إلى السرادق.

ظل نادر صامتا.

بعد أسابيع دعاه زملاؤه إلى فرح.

موسيقى عالية، أضواء ملونة، عطور مختلطة بالعرق، وضحكات.

جلس إلى جوار سامح ومدحت.

اختفى أحدهم.

ـ فلان راح فين؟

ضحك مدحت.

ـ هرب من مراته.

ـ مراته هنا؟

ـ لأ. قايل لها إنه في واجب عزاء.

انفجروا في الضحك.

ـ عايز يروق ساعتين من غير وجع دماغ.

أشعل أحدهم سيجارة، ثم مررها إلى الآخر.

بعد دقائق امتلأ المكان بدخان ثقيل.

مد سامح سيجارة إلى نادر.

ـ خد.

ـ لأ.

ـ فك شوية.

ـ أنا فاكك.

ـ لأ، إنت رابط نفسك.

ضحكوا.

قال مدحت:

ـ بكره هتشوف.

ـ هشوف إيه؟

ـ لما تتجوز.

ثم قال:

ـ ساعتها تقول لمراتك: كنت في واجب عزاء.

تعالت الضحكات.

ـ واللي خدته القرعة تاخده أم الشعور!

كان الدخان يملأ صدر نادر رغمًا عنه.

بدأ يسعل.

ثم قال:

ـ إنت مش كنت في العزاء الأسبوع اللي فات؟

ـ أيوه.

ـ وكنت بتقول إن الراجل محترم.

ـ مالك يا عم؟

ـ وإنت كنت بتقول لنا بره إنه نصاب.

ضحك سامح.

ـ بلاش مثالية.

التفت نادر إلى مدحت:

ـ وإنت مش كل يوم بتقول إنك بتحب مراتك؟

ـ أيوه.

ـ وقايل لها إنك في عزاء؟

ـ يا نادر.. دي الحياة.

نظر نادر إلى القاعة.

العريس يضحك، والناس ترقص، والراقصة لا تسلم من عيون الرجال.

قال:

ـ وكل ده لازم يبقى كده؟

ضحكوا.

لكن نادر لم يضحك.

خرج من الفرح وفي رأسه ضجيج أكبر من الموسيقى.

بعد أيام سأله رئيسه:

ـ الملف خلص؟

كان نادر لم ينتهى منه.

نظر إلى الرجل.

ـ تقريبا.

خرج المدير.

ظل نادر ينظر إلى الملف.

كانت أول كذبة.

صغيرة.

لا تكاد تُرى.

وفي اليوم التالي لم يحدث شيء.

بل قال المدير أمام الآخرين:

ـ نادر فاهم الشغل.

عاد إلى بيته وتذكر صوت عبد الصمد:

"الكذبة بتفتح باب لكذبة بعدها."

قال لنفسه:

ـ دي مش كذبة.

وأراح نفسه.

بعدها جاءت المجاملة.

ثم الصمت في الوقت المناسب.

ثم الموافقة على رأي لا يؤمن به.

اكتشف أن بعض الناس لا يريدون الحقيقة؛ يريدون منك أن تجعلهم يشعرون أنهم على حق.

والأغرب أن اللعبة كانت مربحة.

بدأ نادر يتقدم.

تعلم مفاتيح الرؤساء؛ هذا يحب المديح، وذاك يحب أن يشعر أنه الأذكى، وثالث لا يريد من يعارضه إلا إذا جعل المعارضة تبدو كأنها فكرته.

صار يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

كأنه يعزف تعويذة الدخول.

وبدأ يصعد.

كانت مريم أول من لاحظ.

قالت:

ـ إنت اتغيرت.

ضحك.

ـ كل الناس بتتغير.

ـ لأ.. إنت بقيت تقول الكلام اللي الناس عايزة تسمعه.

ـ دي شطارة.

نظرت إليه.

ـ إنت مبسوط؟

ـ الحمد لله.

ـ أنا ما سألتش ربنا راضي عنك.

لم يجد إجابة.

كانت مريم تعرفه.

ولهذا بدأ يهرب منها.

كان صوتها يعيده إلى نفسه القديمة.

وهو لم يكن يريد أن يتذكرها.

مرّت السنوات.

صار نادر رجلا مهما.

مكتب أكبر، سيارة أحدث، شقة في مكان راقٍ، ثم فيلا في زايد، وأخرى في الساحل الشمالي.

لم يسأل كثيرا من أين جاءت الأشياء.

كان يعرف.

وفي أحد الأيام عُرض مشروع ضخم لتحديث منظومة العمل.

ملايين الجنيهات.

دراسات.

أجهزة.

تدريب.

خطط.

كل شيء مكتوب بإتقان.

قرأ نادر الملف.

ثم ابتسم.

كان يعرف أن معظم المشروع سيظل على الورق.

عرف أيضا كيف تمر الصفقة.

كان هو المايسترو.

مرت.

وتقدم نادر أكثر.

حتى صار بعض القيادات لا يتخذون خطوة مهمة قبل أن يعرفوا رأيه.

ثم جاءه موظف شاب.

طلب مقابلته.

دخل مترددا، يحمل ملفا.

ـ آسف يا فندم... بس مفيش حد تاني أقدر أتكلم معاه.

ـ اقعد.

وضع الملف أمامه.

ـ المشروع ده كله على الورق. الفلوس اتدفعت.. والتطوير ما حصلش.

فتح نادر الملف.

كان يعرف كل صفحة.

كل رقم.

كل اسم.

رفع عينيه إلى الشاب.

كان مرتبكا، صريحا، يحمل دفترا صغيرا ويقاوم خوفه.

فجأة رأى نفسه.

نادر الذي دخل أول يوم عمل، يكتب كل شيء حتى لا يخطئ.

ورأى عبد الصمد.

ظل صامتا.

لم يستطع أن يوبخ الشاب.

ولم يستطع أن يأمر بإغلاق الملف.

أغلقه فقط.

ـ سيبه هنا.

خرج الشاب.

ظل نادر وحده.

لأول مرة منذ سنوات شعر بالخجل من الرجل الذي أصبحه.

بعد أيام عُرض عليه منصب أعلى.

منصب يضعه في قلب القرار.

قالوا له:

ـ أنت أنسب واحد للمكان ده.

كان يعلم ماذا يعني المنصب.

نفوذ أكبر.

مال أكثر.

دائرة أوسع.

نظر إلى الأوراق أمامه.

ثم قال:

ـ لأ.

ساد الصمت.

ـ يعني إيه لأ؟

رفع عينيه.

ـ كفاية.

كانت كلمة صغيرة.

لكنها كانت أول قرار يتخذه نادر منذ سنوات لا يخدم صعوده.

في تلك الليلة عاد إلى بيته، وأخرج ساعة عبد الصمد من درج قديم.

مسح عنها الغبار.

ظل ينظر إليها طويلا.

ثم قال بصوت خافت:

ـ أنا عملت كل اللي قلت لي ما أعملوش.

ولم تجبه الساعة.

بعدها بدأت الأشياء تتحرك ضده.

ملفات قديمة.

علاقات قديمة.

أسماء.

تقارير.

كل الأدوات التي أتقن استخدامها في صعوده، بدأت تعمل في الاتجاه المعاكس.

قيل إنه غير موثوق به.

ثم قيل إن له صلات بعناصر معارضة.

وُضعت أمامه أسماء لأشخاص يعرفهم معرفة عابرة.

قال:

ـ دول زملاء.

قال أحدهم:

ـ فيه معلومات إنهم خلايا معارضة نائمة.

ضحك نادر.

ـ وأنا مالي؟

لم يضحك أحد.

عندها فهم.

لم يكن المطلوب أن يكون مذنبا.

كان المطلوب أن يصبح غير موثوق به.

جاء التحقيق.

ثم المحاكمة.

ثم الحكم.

السجن.

في الزنزانة جلس نادر على سريره.

لم يعد هناك رئيس يحتاج إلى إرضائه، ولا زميل يريد مجاملته، ولا أحد يسأله أين كان.

لأول مرة منذ سنوات، أصبح وحيدا مع نفسه.

جاءت مريم لزيارته.

جلست أمامه خلف الزجاج.

ظل ينظر إليها طويلا.

قال:

ـ اتغيرتي.

ابتسمت.

ـ إنت اللي اتغيرت.

سكت.

ثم قالت:

ـ فاكر عبد الصمد؟

خفض عينيه.

ـ أيوه.

ـ لسه زعلان منه؟

رفع رأسه.

ـ ليه؟

ـ عشان زرع فيك كل الحاجات دي؟

ابتسم بحزن.

ـ لأ.

سكت قليلا.

ـ أنا زعلان إني حاولت أدفنها.

لم تتكلم.

قال:

ـ كنت فاكر إني لما أبقى زيهم هرتاح.

ـ ارتحت؟

هز رأسه.

ـ لأ.

نظر إلى ساعة جده القديمة في يده.

كانت متوقفة منذ سنوات.

قال:

ـ بس عرفت حاجة.

ـ إيه؟

ـ المبادئ ما بتموتش.

انتظرت.

قال:

ـ بتغرق.

انتهت الزيارة.

خرجت مريم.

وبقي نادر خلف القضبان، ممسكا بساعة لا تعمل.

وفي الليل، حين أطفأ الحارس النور، عاد إليه صوت عبد الصمد، كما كان يأتيه قديما من آخر الطرقة:

ـ اللي يغلط.. لازم يعترف لنفسه إنه غلط يا نادر.

ظل نادر مستيقظا.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يحاول أن يكذب على نفسه.


طارق الحلواني

أغسطس ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :