للأقدارِ الأخيرةِ قُدْسِيَّتُها .
على قدرِ ما تكونُ للخياراتِ الأولى خُصُوصيَّتِها ، فإنَّ للأقدارِ الأخيرةِ قُدسيِّتُها ، بمعنى أنَّ الحبَّ قد لا يكونُ للحبيبِ الأوَّلِ ، والوفاءَ ليس للاتِّجاه الأوَّلِ ، والرَّاحةَ ليستْ في الهدفِ الأوَّلِ ، والحلاوةَ ليست في اللِّقاءِ الأوَّلِ ، والجمالَ ليس في النَّظرةِ الأولى ، الجمالُ كلُّه قد يكمنُ في الحِضنِ الأخيرِ الذي استقررتَ فيه بعدَ معاركَ كثيرةٍ ، الرَّاحةُ كلُّها قد تكمنُ في المشوارِ الأخيرِ الذي وُجِدتَ فيه بغيرِ قصدٍ بعدما يئستَ من البحثِ عنه ، الحبُّ كلُّه قد يكمنُ في الرُّوحِ الأخيرةِ التِّي احتوتكَ بعد طولِ جفاءٍ ، الحنانُ كلُّه قد يكمنُ في النَّظرةِ الأخيرةِ التِّي طيبَّت جراحَك من كلِّ العيونِ التي أتعبتكَ ، للبداياتِ الحنينُ والدُّموعُ ، وللنِّهاياتِ الارتماءُ بين الضُّلوعِ ، حيثُ يخبركَ أحدُهم الذي وجدتَه ووجدكَ قدرًا ، أنَّكَ أخيرًا وصلتَ ، أو كما قيلَ : إنَّ أجملَ ما في الحربِ نهايتُها ، ونهايةُ الحربِ السَّلامُ ، معكِ حبيبتي أيقنتُ أنَّ الحبَّ هبةٌ من اللهِ يُلقيها في قلوبِ مَن يشاءُ مِن خلقِه دونَ أدنى اختيارٍ منَّا ، بل يصطفي لنا مَن يشاءُ ويختارُ ، كما ألقى كلمتَه إلى مريمَ العذراءَ ، آمنتُ معكِ أنَّ الحبيبَ كالعمرِ لا يتكرَّرُ مرَّتين ، حتى وإن تأخرتْ به الأيامُ واللَّيالي والسُّنون ، بل والأعجبُ من كلِّ هذا أنَّه قد يمرُّ العمرُ ولا يأتي من الأساسِ ، أشكركِ أنَّك في حياتي ، وأشكرُ اللهَ الذي وهبني قلبَكَ قبلَ أن ينقضي عمري وأنا ما زلتُ أُخطِئُ عنوانَ مدينةِ العاشقين ، أحبُّك يا أنا .
أجابت حبيبتي .
أيَا عزيزَ عَيْنِي ، للأقدارِ الأخيرةِ قُدسِيَّتُها وأنتَ قدري المحتومُ الذي لم أعلمْ أنَّنَي في انتظاره طوالَ عمري ، معكِ أُعِيدَ تعريفُ كلِّ شيءٍ ، الحبُّ الحقيقيِّ ليس حكرًا على التَّجربةِ الأولى ، ولا على الإعجابِ الأوَّلِ ، لستَ أوَّلَ تجاربي ، لكنّك حبيبُ عمري الذي قدَّره لي الإلهُ ، فأنتَ اختيارُ العقلِ الواعي بخبرةِ السِّنينَ ، والقلبِ العاشقِ بشوقِ ولهفة الحرمانِ والحنينِ ، أنتَ النَّظرةُ الأخيرةُ التي طيَّبت جراحي والأنينَ ، أنتَ الحضنُ الأخيرُ الذي استقررتُ فيه بعد عتمةِ اللَّيلِ وبردِ أشتيةٍ متعاقبةٍ بلا انقطاعٍ أو فاصلِ دفءٍ وربيعٍ ، لم أعدْ أرهقُ نفسي وأتساءلُ لماذا اختارني اللهُ لكَ ، لأنَّه لا جوابَ يليقُ بهذا السُّؤالِ غير أنَّها دعوةٌ صادقةُ بجوفِ عتمةِ ليلٍ ابتلت سجادتُها بدمعةِ ألمٍ وأنينٍ ، أيَا أجملَ أقداري ومدينتي المقدَّسةَ ، دونَكَ روحي وحياتي ، ولا أحدَ يُدنِّسُ طهارةَ ونقاءَ حبِّنا وسلامةِ بيتِنا ، أحبَّك يا رجلًا استردَّ لي أنثى ظننتُ أنَّها لن تعودَ .
اقتباس من رباعية ( إلى السيدة راء)
الكاتب الأول ( لذة البدايات )
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة