لا تركبِ البحر
لا تَركبِ البحرَ، صبرًا، إنَّهم رحلوا
لكنَّهم في عَناءِ البُعدِ قد نَزَلوا
تعاتبُ الدارَ: عذرًا، إنَّهم قُتِلوا
فناحتِ الدارُ، والأقمارُ قد ذَبُلوا
لا تَركبِ البحرَ، إنَّ السفنَ قد احترقتْ
وأودعتْ موجَهُ أجسادَ من رحلوا
ونُثِّرتْ عظامُهم فوقَ الشواطئِ، ما
بقي سوى صمتِ موجٍ حولَهم ثَقُلوا
يصرخونَ، وقد غابتْ عيونُهمُ
ما عادَ فيها سوى الآهاتِ والأملُ
لا تَركبِ البحرَ… قل لي: لِمَ تصرخُ؟
قد عشنا بينهمُ دهرًا، وما رحلوا
عزَّ الفراقُ علينا حينَ فارقَنا
أحبابُنا، ثم في صمتِ الأسى رحلوا
لكنهم علَّمونا الصبرَ في محنٍ
حتى غدا الصبرُ في أرواحِنا أملُ
لا تَركبِ البحرَ… هل كانوا هنا معنا؟
أم أنَّ موجَك، يا بحرُ، قد ابتلعوا؟
يا ربِّ، وطنٌ وأهلٌ غابَ منزلُهمُ
والغربةُ القاسيةُ أضنتْ لنا المُقَلَ
إنّي أراهمْ عيونًا في ظُلمتنا
كأنَّ أطيافَهم في الليلِ لم تَفِلِ
عسى لغيابِهم عفوٌ ومغفرةٌ
من الرحمنِ، تمحو عنهمُ الزَّلَلَ
سعيد داود