استُكهولم ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كانوا يصحون كل صباح على الشجار. صوت أبيه يعلو كأنه صفارة إنذار، والأم تهرول في المطبخ أو خلف الباب، ترتجف كلما دوى صراخه.
كان الطفل يضم جسده الصغير تحت الغطاء، يخاف أن يتحرك، يخاف أن يتنفس.
- أحيانا ينهض مسرعا ليتفادى اللعنة، وأحيانا يختبئ في فراشه حتى تشتد الضوضاء ثم تهدأ.
كثيرا ما كان يبلل سريره، وحين يستيقظ متأخرا، كانت أمه تغسل الأغطية في صمت، ووجهها لا يجرؤ أن ينظر إليه.لم يسأله أحد لماذا، ولم يواسه أحد.كان الخوف يربّيه بدلا من أبيه.
- كبر، وكبرت معه تلك اليد الخفية التي تمسك صدره كلما حاول الكلام.
في المدرسة لم يكن مشاغبا ولا مجتهدا؛ كان مجرد ظل صغير يجلس في آخر المقاعد، يخاف من الأسئلة ومن العيون.
وحين وصل إلى الثانوية، كان يعرف أنه لن ينجو بعلامات، بل فقط بالنجاة من الغضب.
نجح بصعوبة، ففرح أبوه بطريقة غريبة: قال له إن الدراسة كفاية، وإن البيت يحتاج رجلا يعمل. لم يجادل، لم يعرف كيف يجادل.
التحق بأعمال كثيرة، وفشل في كل مرة.
لم يكن يعرف كيف يتحدث إلى الناس، أو يضحك بثقة مثلهم.
كان وجهه دائم الحذر، كأنه يتوقع الصفعة في أي لحظة. وأبوه لا يرى منه إلا العجز، فيصرخ فيه كما كان يفعل قديما، فينكمش من جديد.
ثم مرض الأب. شيئا فشيئا، انطفأ صوته العالي، وصار صوته همسا متقطعا. لم تعد الأم موجودة لتتلقى الصراخ، فقد سبقتهم إلى التراب، وتركته وحده مع رجل كان يوما يخافه أكثر من الموت.
في البداية، لم يعرف كيف يتعامل مع ضعفه.
كان ينظر إليه وهو ممدد على السرير، يتذكر يده الغليظة، نظراته القاسية، ويشعر بالشفقة والراحة معًا.ثم تأتيه وخزة ذنب: أيتمنى موته؟
فيغسل وجهه ويبكي، ولا يعرف إن كانت دموعه عليه أم عليهما معا. ذات مرة، بينما كان يبدل له ملابسه، ارتجف الجسد الضعيف بين يديه. سمع الأب يقول بصوت مبحوح:
– سامحني يا ابني.
لم يرد. ظل صامتا، كأنه لم يسمع شيئا. في تلك اللحظة تمنى لو يصرخ كما كان يفعل الأب، لكن صمته كان أضخم من أي صوت. بعدها بيوم، وقف أمام المرآة وهو يحلق ذقنه. لم يتعرف على وجهه. كانت الملامح متعبة، الخطوط عند الفم تشبه خطوط أبيه تماما. مد يده إلى خده يتحسس التجاعيد الصغيرة، كأنها صفعات قديمة تركت أثرها للأبد.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال لنفسه همسا:
– هو أنا بقيت زيه؟
ثم أغلق النور، ولم يكمل الحلاقة.مرت الأيام، وبدأ الأب يحتضر.كان يجلس بجواره ليلا، يراقب صدره وهو يعلو ويهبط ببطء. في تلك اللحظات، كانت الطفولة كلها تمر أمامه: الغطاء المبلول، صراخ الصباح، خوف الأم، الحبيبة التي لم يجرؤ أن يخبرها، الوحدة الطويلة التي ملأت عمره. تساءل بصوت خافت لا يسمعه أحد:
– ليه اتعلمت أكون راجل بعد ما راحت الطفولة؟
حين مات الأب، لم يصرخ ولم يطلب أحدًا.
جلس بجواره طويلا، يمسك بيده الباردة، وينظر إلى الوجه الذي ظل يطارده سنين.
كانت الدموع تنزل بهدوء، دون نحيب.
لأول مرة، شعر أن قلبه صار خفيفًا.. لكنه فارغ.
في المساء، خرج إلى المقابر، وجلس عند قبر أمه.حكى لها كل شيء: عن خوفه القديم، عن عمله، عن الأب الذي مات بين يديه.ثم قال بصوت متهدج:
– سامحيني يا أمي.. أنا ما كنتش جبان، كنت طفل بيخاف يعيش.
عاد إلى بيته، أغلق الأبواب، وجلس في الظلام. كانت رائحة أبيه ما زالت في الغرفة.
مد يده إلى سريره، تحسس الغطاء، وأغمض عينيه. ولأول مرة منذ سنين، نام بعمق… دون أن يبلل فراشه.
طارق الحلوانى